أبي حيان الأندلسي

57

البحر المحيط في التفسير

أَزِفَتِ الْآزِفَةُ « 1 » ، إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ « 2 » والمصيبة : كل ما أذى المؤمن في نفس أو مال أو أهل ، صغرت أو كبرت ، حتى انطفاء المصباح لمن يحتاجه يسمى : مصيبة . وروي ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أنه استرجع عند انطفاء مصباحه . والمعنى في إذا هنا : على التكرار والعموم . وقد تقدم لنا ذكر الخلاف في إذا ، أتدل على التكرار ، أم وضعت للمرّة الواحدة ؟ قولان للنحويين . قالُوا إِنَّا لِلَّهِ : قالوا : جواب إذا ، والشرط وجوابه صلة للذين . وإنا : أصله إننا ، لأنها إن دخلت على الضمير المنصوب المتصل ، فحذفت نون من إن . وينبغي أن تكون المحذوفة هي الثانية ، لأنها ظرف ، ولأنها عهد فيها الحذف إذا خففت ، فقالوا : إن زيد لقائم ، وهو حذف هنا لاجتماع الأمثال ، فلذلك عملت ، إذ لو كان من الحذف لا لهذه العلة ، لا نفصل الضمير وارتفع ولم تعمل ، لأنها إذا خففت هذا التخفيف لم تعمل في الضمير . وللّه : معناه الإقرار بالملك والعبودية للّه ، فهو المتصرّف فينا بما يريد من الأمور . وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ : إقرار بالبعث وتنبيه على مصيبة الموت التي هي أعظم المصائب ، وتذكير أن ما أصاب الإنسان دونها فهو قريب ينبغي أن يصبر له . وللمفسرين في هاتين الجملتين المقولتين أقوال : أحدها : أن نفوسنا وأموالنا وأهلينا للّه لا يظلمنا فيما يصنعه بنا . الثاني : أسلمنا الأمر للّه ورضينا بقضائه ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ يعني : للبعث لثواب المحسن ومعاقبة المسئ . الثالث : راجعون إليه في جبر المصاب وإجزال الثواب . الرابع : أن معناه إقرار بالمملكة في قوله : إِنَّا لِلَّهِ ، وإقرار بالهلكة في قوله : وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ . وفي المنتخب ما ملخصه : إن إسناد الإصابة إلى المصيبة ، لا إلى اللّه تعالى ، ليعم ما كان من اللّه ، وما كان من غيره . فما كان من اللّه فهو داخل تحت قوله : إِنَّا لِلَّهِ ، لأن في الإقرار بالعبودية تفويضا للأمور إليه ، وما كان من غيره فتكليفه أن يرجع إلى اللّه في الإنصاف منه ، ولا يتعدى ، كأنه في الأول إِنَّا لِلَّهِ ، يدبر كيف يشاء ، وفي الثاني : إِنَّا إِلَيْهِ ، ينصف لنا كيف يشاء . وقيل : إِنَّا لِلَّهِ ، دليل على الرضا بما نزل به في الحال ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، دليل على الرضا في الحال بكل ما سينزل به بعد ذلك . واشتملت الآية على فرض ونفل . فالفرض : التسليم لأمر اللّه ، والرضا بقدره ، والصبر على أداء

--> ( 1 ) سورة النجم : 53 / 57 . ( 2 ) سورة الواقعة : 56 / 1 .